في ذروة الجدل حول مستقبل الجبهة الجنوبية، مع استمرار الخروقات الإسرائيلية اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار، وفي لحظة يتقاطع فيها هذا التصعيد الميداني مع آخر المواقف السياسية، في ظلّ التهديدات التي يطلقها قادة تل أبيب بتوسيع الهجوم على لبنان، مع تسجيل حراك دبلوماسي مكثّف من باريس إلى القاهرة، يحاول تفادي سيناريو الحرب، خرج رئيس الحكومة نواف سلام بخطاب واضح عن خطة "حصر السلاح"، ومضيّ الحكومة في تنفيذها حتى النهاية.
لم يقدّم سلام تفاصيل جديدة بالكامل عن الخطة التي أعدّتها قيادة الجيش وأقرّتها حكومته في وقت سابق، وسط تحفّظ واضح من "حزب الله" الذي اتهم الحكومة بالانصياع للضغوط الأميركية والإسرائيلية، بقدر ما أعاد ترتيب ما يُقال في الكواليس في صيغة متماسكة ورسميّة إن صحّ التعبير. فهو حدّد بوضوح المراحل الجغرافية والزمنية لهذه الخطة، من جنوب الليطاني إلى ما بين النهرين، ثم إلى العاصمة والمناطق الأخرى.
هنا تظهر أهمية كلام سلام، الذي لا يمكن حصره بالجانب التقني، ربطًا بتقدم العمل الميداني، فهو حين يعلن أنّ المرحلة الأولى من "حصر السلاح" في الجنوب شارفت على نهايتها، وأن الدولة جاهزة للانتقال إلى المرحلة التالية، يضع حكومته وقيادة الجيش في موقع من يريد أن يقول للخارج والداخل معًا إنّ لبنان لا يكتفي بردّ الفعل على الضغوط، بل لديه مسار واضح يحاول الالتزام به لتحقيق الشعار الذي رفعته الحكومة منذ يومها الأول.
في الواقع، بدا سلام من حيث الشكل، كمن يقدّم "خارطة طريق" كاملة لمسار حصر السلاح: الجنوب أولًا، ثم ما بين الليطاني والأولي، فمناطق أخرى لاحقًا. وفي المضمون، يمكن قراءة هذه الخريطة من زاويتين متوازيتين لا تتناقضان بالضرورة، من جهة، يلبّي رئيس الحكومة حاجة لبنانية إلى تنظيم رواية الدولة أمام مواطنيها وأمام شركائها، ومن جهة أخرى، لا يمكن عزل هذا التظهير عن اللحظة الدولية المحيطة.
وفقًا للعارفين، فإنّ سلام يتوجّه بكلامه أيضًا إلى العواصم المعنيّة بالملفّ اللبناني، من باريس التي تحضّر لمؤتمر دعم للجيش وتعمل على "توثيق دولي" لمناطق خالية من السلاح في الجنوب، إلى واشنطن التي تتابع عن كثب مسار "الميكانيزم" في الناقورة، وصولاً إلى العواصم العربية التي عادت إلى الحضور في بيروت عبر زيارة رئيس الوزراء المصري وما حملته من رسائل دعم واستقرار.
بهذا المعنى، يصبح كلام سلام نوعًا من "تأكيد جديّة" أمام الخارج: هناك خطة، وهناك جدول، والدولة مستعدّة للالتزام بما تعهّدت به. وإذا كان من الصعب القول إنّ رئيس الحكومة ينفّذ "برنامجًا دوليًا" بالمعنى الحرفي، إلا أنّ الواضح أنّ خطابه ينسجم مع الاتجاه العام الذي تدفع نحوه القوى المؤثّرة في الملف اللبناني: تثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب، تمكين الجيش، وتقليص هامش أي احتكاك مفتوح مع إسرائيل يمكن أن يجرّ المنطقة إلى حرب جديدة.
في هذا الإطار، تبدو الرسالة الأولى متوجّهة إلى باريس تحديدًا. فسلام، حين يربط تقدّم خطة حصر السلاح بالدعم المنتظر للجيش، يعطي الفرنسيين ما يحتاجون إليه ليقنعوا شركاءهم بأنّ أي استثمار في المؤسسة العسكرية لن يكون بلا إطار سياسي أو أمني. بمعنى آخر، هو يقول لهم إنّ الجيش يتحمّل أعباء ضبط الوضع جنوبًا، وإنّ الحكومة تغطّي هذا الدور وتتبنّاه علنًا، ما يجعل المطالبة بدعم مادي ومعنوي أكبر أكثر قابلية للتسويق.
أما الرسالة الثانية فتبدو موجّهة إلى واشنطن، في ظلّ الحديث الأميركي المتزايد عن "مخاطر إعادة تسلّح حزب الله"، يصبح مفيدًا للبنان الرسمي أن يُظهِر أنّ هناك جهدًا جدّيًا لتنظيم المشهد الأمني، وأنّ هذا الجهد لا يقتصر على بيانات سياسية كما ألمح الأميركيون، بل يتجسّد بخطط يشرف عليها الجيش. هنا أيضًا، لا يعني ذلك أنّ سلام يقطع مع واقع التوازنات القائمة، لكنه يحاول أن يقدّم نفسه وحكومته كطرف يمكن الاعتماد عليه في إدارة مرحلة انتقالية حسّاسة.
حتى على خطّ إسرائيل، يمكن قراءة كلام سلام كإشارة إلى أنّ لبنان لا ينتظر تهديدات الحرب لكي يتحرّك. صحيح أنّ تل أبيب تواصل التلويح بإمكانية استئناف العدوان إذا لم ترَ "تقدّمًا حقيقيًا" على خط نزع سلاح "حزب الله"، لكنّ إظهار الدولة اللبنانية أنّها تقوم بخطوات عملية، ولو تدريجية، قد يكون جزءًا من محاولة تقليص هامش الذرائع، من دون أن يعني ذلك أنّ خطر التصعيد قد زال فعلاً.
في الداخل، تتفاوت القراءات لكلام رئيس الحكومة، ففي حين يجد فيه كثيرون من اللبنانيين المنهكين من الحرب والتوتر مزيدًا من التطمين بأنّ الدولة تحاول استعادة دورها الأمني، ويرون فيه خطوة أولى في مسار طويل لاسترجاع شيء من مفهوم "الدولة القادرة"، ولو تدريجيًا، يعتبر آخرون، خصوصًا من المحسوبين على "حزب الله"، أنّ كلامه انصياع آخر للضغوط، ينطوي في مكان ما على تقديم المزيد من "التنازلات المجانية لإسرائيل".
براي هؤلاء المتحفظين على كلام سلام، فإنّ أي حديث عن "حصر السلاح" في ظلّ موازين القوى الراهنة لا ينفصل عن الضغوط الدولية على المقاومة. هم لا ينطلقون فقط من رفض مبدئي لأي تنظيم لمشهد السلاح، بقدر ما ينطلقون من خشية من أن يتحوّل المسار الأمني الجاري إلى بديلٍ عن نقاش سياسي حقيقي، يحدّد موقع لبنان في الصراع مع إسرائيل، ويضمن ألّا تكون أي تنازلات أمنية من طرف واحد ومن دون مقابل.
في خلفية كل ما سبق، يظلّ الجنوب مسرحًا أساسيًا لهذه الرسائل المتقاطعة. فالمسار الأمني-العسكري الذي يتحدّث عنه رئيس الحكومة لا ينفصل عن اجتماعات "الميكانيزم" في الناقورة، ولا عن خرائط تُطرَح لتحديد مناطق خالية من السلاح أو خاضعة لترتيبات خاصة. كما لا ينفصل عن مسار سياسي أوسع، لم يُفتَح رسميًا بعد بين لبنان وإسرائيل، لكنه يُناقَش في عواصم عدّة تحت عناوين متعدّدة: من "ضبط الحدود" إلى "التنمية في المناطق المحاذية".
في هذا المشهد، يظهر سلام كمن يحاول أن يضع كلام الدولة في نسق واحد: أن يقول إنّ لبنان لا يرفض ما يُعرَض عليه بلا بديل، لكنه أيضًا لا يريد أن يُترَك وحده أمام التهديدات الإسرائيلية من دون شبكة أمان عربية ودولية. من هنا يمكن فهم التقاطع بين خطابه عن حصر السلاح، والحراك الفرنسي، والزيارة المصرية، وسائر المؤشرات التي توحي بأنّ الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في رسم شكل الاستقرار على الجبهة الجنوبية.
يبقى السؤال الأساسي مفتوحًا: إلى أيّ حدّ يستطيع سلام، ومعه حكومته والجيش، أن يحافظوا على التوازن بين متطلبات الخارج وحسابات الداخل؟ وهل يسمح هامش الوقت المتاح، في ظلّ تهديدات إسرائيلية لا تهدأ وانتخابات إسرائيلية تقترب، بأن يتحوّل هذا المسار إلى فرصة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والسلاح، أم أنّه سيبقى مجرّد محاولة لتقطيع مرحلة، بانتظار جولة جديدة من التفاوض أو من التصعيد؟.
هنا تحديدًا سيتبيّن ما إذا كان كلام رئيس الحكومة بداية إعادة تموضع لبناني جدّي، أم مجرّد إدارة لغوية لأزمة أكبر من قدرة أي حكومة على حصرها في بيان أو تصريح.



















































